ابن أبي الحديد
16
شرح نهج البلاغة
( 193 ) الأصل : إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان ، فابتغوا لها طرائف الحكمة . الشرح : هذا قد تكرر ، وتكرر منا ذكر ما قيل في إجمام النفس ، والتنفيس عنها من كرب الجد بروح الإحماض ( 1 ) وفسرنا معنى قوله عليه السلام : ( فابتغوا لها طرائف الحكمة ) وقلنا المراد الا يجعل الانسان وقته كله مصروفا إلى الأنظار العقلية في البراهين الكلامية والحكمية ، بل ينقلها من ذلك أحيانا إلى النظر في الحكمة الخلقية فإنها حكمة لا تحتاج إلى إتعاب النفس والخاطر . فأما القول في الدعابة فقد ذكرناه أيضا فيما تقدم ، وأوضحنا أن كثيرا من أعيان الحكماء والعلماء كانوا ذوي دعابة مقتصدة لا مسرفة ، فإن الاسراف فيها يخرج صاحبه إلى الخلاعة ، ولقد أحسن من قال : أفد طبعك المكدود بالجد راحه * تجم وعلله بشئ من المزح ( 2 ) ولكن إذا أعطيته ذاك فليكن * بمقدار ما يعطى الطعام من الملح ( 3 )
--> ( 1 ) الإحماض : التنقل من الجد إلى المزح . ( 2 ) المكدود : المجهد . ( 3 ) أي على قدر من الاعتدال .